السيد محمد تقي المدرسي
256
من هدى القرآن
[ 9 ] ومرة أخرى نتساءل : لماذا يرفض الإنسان الإيمان ، إنه ليس خسارة ، بل هو ربح عظيم ، لأنه يخرجه من الظلمات إلى النور ، من ظلمات الظلم إلى نور العدالة ، ومن ظلمات العقائد السخيفة التي تحجب العقل عن الحقائق إلى نور الحنفية السمحاء التي تثيره إلى معرفتها ، ومن ظلمات العقد النفسية التي تسلبه لذة الحياة إلى نور الوعي ، وكل ذلك يتم برسالة الله إلى الإنسان . هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ القرآن يرسم لنا خريطة شاملة متكاملة وصحيحة لجوانب الحياة ، ويحرر العقل والنفس من الأفكار الضالة والعقد . إنه يزكي النفس من الحسد والحقد وسوء الظن والشك ، وهذه كلها ظلمات ، وفي المقابل يزرع فيها الوئام والمحبة وحسن الظن والألفة ، كما أن من أهم الظلمات التي تستهدف الرسالات الإلهية إخراج الناس منها هي الأنظمة الفاسدة التي تتسلط على رقاب الناس ، وتمنع الأمة من التقدم ، وعلى الناس أن يعلموا أن الإيمان الأصيل ، والإنفاق الذي تدعوهم إليه القيادات والحركات الرسالية يهدف تحريرهم من تلك الظلمات إلى نور دولة الحق والعدل ، وهذا لا شك يكلفهم شيئا من التضحيات ، ولكن ليعلموا أنه في صالحهم ولخيرهم في الدنيا والآخرة . لأن الإيمان والإنفاق يستهدفان بناء مجتمع متحضر نفسيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا . . كل ذلك من رأفة الله ورحمته بعباده . وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ بلى ، إن الإيمان يحملنا بعض المسؤولية ، ونحتاج حتى نلتزم به أن نخالف أهواءنا ، ولكنه ليس مَغْرَماً كما يتصوره البعض ، فقد يطالبنا بالإنفاق ولكن ليس ليستنفع به الله سبحانه وتعالى ، إنما ليعود النفع علينا نحن البشر ، وذلك لأنه يزكي نفوسنا ويربينا ، ويبني مجتمعاً متكاملًا قويًّا ، ويُنمِّي اقتصادنا ، إضافة إلى كونه يسبب رضا الله وثوابه في الآخرة ، وقد قال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ التوبة : 103 ] ، وقال : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [ البقرة : 276 ] ، وقال : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبا : 39 ] . ولنا أن نلمس حقيقة الرسالة ، ورأفة الله ورحمته عن قرب ، لو رجعنا إلى الوراء قليلا في الزمن لنقارن بين واقعين في تجمع واحد كان يعيش على شبه الجزيرة العربية ، واقعه قبل الإسلام ، وواقعه بعده ، لقد كان قبله مجتمعا ضعيفا متمزقا عرضة للطامعين وعرضة للتناحر والحروب ، فأصبح قويًّا مُتَّحداً ورمزاً للتحضر ، وقال تعالى مشيرا إلى هذه النعمة العظيمة : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى